توفيق أبو علم
119
السيدة نفيسة رضي الله عنها
--> الهادرة نحوه ، لكنّه لم يستنّ بسنّته ، ويخالفه في الامتثال لأوامره ، بل ويعارض أقواله وأفعاله وينكرها ، أيسمّى هذا بمحبّ للرسول ؟ فالحبّ الحقيقي لا يتجرّد عن الأداء والفعل والامتثال ، وأيّ افتراق حاصل بين الحبّ والعمل بمقتضى هذا الحبّ ، سيؤدّي - بلا شك - إلى اختلال في مفهوم الحبّ وانهيار أساسه . يقول الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد : ج 10 ص 280 : إنّ محبّة الإنسان الفاضل الكامل ومودّته تستلزم رقيّه وصعوده إلى سلّم الكمال ، فإنّ الإنسان مع من أحبّ كما يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله . وهذا مقرّر بالوجدان ، ويشهد له التاريخ وسيرة العقلاء منذ أن وجد الإنسان على سطح الأرض . إذ أنّ الميل القلبي وحده عند القاضي تجاه أحد الخصمين المترافعين إليه لا يقدح في عدالته ، إلّاإذا أبرزه عملياً ويترتّب عليه أثر في الخارج ، ويدخل في مسير الحكم ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الزوج وميله إلى إحدى زوجتيه لا يحقّق قدحاً في عدالته ما لم يرتّب أثراً على ميله ومحبّته تجاه إحداهما ، فإذا رتّب أثراً عندئذٍ تقدح عدالته . فلا شكّ أنّ حبّ أهل البيت عليهم السلام الذي أوجبته الشريعة المقدّسة ، وأمر به ربّ العزّة والجلالة في كتابه الكريم ، ونطق به نبيّه صلى الله عليه وآله هو الحبّ بالمعنى الثاني الذي يعني الانقياد والطاعة والامتثال لأوامرهم ، والتأسّي بسيرتهم . فإذا عمل الإنسان في إطار هذا المعنى - أي المعنى الثاني - وسار وفقاً لمنهاجه المرسوم ، فإنّه يؤثّر بلا شك في إيجاد الحبّ في المعنى الأول ويتجسّد بالضرورة . ذلك لأنّ هذا الحبّ يعني بكلّ تأكيد : الدين والمعرفة والطاعة والإيمان ، وليس فقط : العواطف العابرة ، يقول الإمام الصادق عليه السلام « الدين هو الحبّ ، والحبّ هو الدين » وروى ابن حجر في الصواعق عن الصادق عليه السلام أيضاً قوله : « الحبّ فرع المعرفة » . فالحبّ إذاً يتفرّع عن المعرفة ، وإلّا كيف يصدق الحبّ بدون معرفة ، وهل يحبّ الإنسان ما يجهله ؟ ! إنّ محبّة أهل البيت لا تتجرّد عن الأداء والفعل والامتثال ، وأيّ افتراق بين حبّهم ومودّتهم ، وبين العمل والانقياد والطاعة لهم ، سيؤدّي إلى اختلال صارخ في مفهوم الحبّ ، وانهيار قواعده . وهذا ما يوضّحه الإمام الباقر عليه السلام في قوله لجابر : « يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب ، أحسب الرجل أن يقول : أحبّ علياً وأتولّاه ، ثم لا يكون مع ذلك فعالًا ؟ ! فلو قال : إنّي أحبّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثم لا يتّبع سيرته ، ولا يعمل بسنّته ، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً » . فالحبّ الصادق لأهل البيت عليهم السلام ، هو ما إذا ترجم إلى عملٍ واقع ، وتجسّد في الخارج بالطاعة والامتثال